العودة   منتديات المصطبة > الأقسام الأدبية > منتدى القصص والروايات

منتدى القصص والروايات قصص رومانسية، قصص حقيقية، قصص حب، قصص الرعب والخيال، قصص قصيرة

كان اسمها ..... ؟

كاتب الموضوع: محمد احمد بركة، فى قسم: منتدى القصص والروايات


1 
محمد احمد بركة




كان اسمها ....
--------------

كان اسمها ...

الزمان : أواخر 2018
المكان : القاهرة الجديدة – البرج الأمريكي السكني – الدور 304 - شقتي العزيزة

أسترخي على كرسيي الوثير, غائصا فيه حتى حلمات أذني, مستمتعا بنسمات التكييف الدافئة بينما اطالع إيميلاتي على اللابتوب الجديد ذي الشاشة الهولوجرامية, وبالتأكيد رفيق دربي, كوب النعناع, يحتل مكانه على مكتبي مذكرني بأيامي الماضية, أيام القشف ...

تحركت لأدفن نفسي في هذا الكرسي أكثر, وأنا أعلم كم تبلغ درجة الحرارة خارجا والقادرة على تحويل كوب من الأيس كريم إلى قطعة ثلج و ... أوه ... نسيت أن الأيس كريم مثلج بطبعه اساساً ...

أصوات صياح شقية تعلو خارج مكتبي, تهدأ الأصولات, ثم أسمع طرقات ضعيفة تذكرك بقطة صغيرة تخربش باب منزلك القديم طلبا للدفء, لحظات وفُتح الباب ليطل منه وجه ملاكي الصغير "سارة" ذات السبعة أعوام بابتسامتها التي تستطيع إذابة قلب رجل الجليد المجمد ... ضحكت ضحكة كبيرة, ضحكة واسعة أجزم أنها قادرة على إحداث زلزال شوق في نصف سكان القاهرة على الأقل ...

جرت نحوي لتقفز في أحضاني , تظاهرت بقتالها , أخذت ألاعبها رفعتها لأعلى :
" مين حبيب بابي"
" أنا"
" مين عايز ينط في حضن بابي ؟"
"أنااااا"
" مين عايز بوووووووووووسه"
" أنااااااااااااااااا"

اختلطت "أناها" مع كلماتي وأنا أدفسها في حضني مغرقا إياها بالقبلات ومزغزغا إيها حتى صاحت مفرفرة ضاحكة :
كفاية يا بابي ... كفاااااااية
ابتعدت عنها ضاحكا ... لعبت في شعرها بعبث وسط صرخاتها الطفولية بينما ....
"احم ... "
اعتدلت في سرعة متطلعا إلى "نيكول" , زوجتي الأمريكية , رامقة إياي بنظرات متوعدة ... فردت ظهري مصطنعا الحزم وأنا أقول لسارة :
خلاص يا سارة ... يلا بقى عشان تلحقي تذاكري

ضحكت سارة ضحكة خبيثة ... فهي تعلم من الآمر الناهي في هذا البيت رغم أعوامها السبع ... نزلت من على قدمي مسرعة خلف أمها التي غادرت الحجرة, لكن سارة توقفت, قبل أن تخرج , والتفتت إلي :
"بابي ... في حاجة شفتها على "جوجل" وأنا بعمل بحث الـ "هيستوري" بتاعي ... ومفهمتهاش"
ابتسمت وأنا أردد في نفسي : البت الخلبوصة ... وبقت تعمل مذاكرتها على جوجل, الله يرحم أيام كارت الفاكس والديال أب
"بابي ؟"
أفاقتني من تلك السرحة البسيطة :
"قولي يا حبيبتي... إيه اللي مفهمتوش"
"كلمة كده ... تقريبا اسم مدينة قديمة"
"اسمها إيه ؟"
"اسمها ... غــ ... غـــااا ... أيوه ... غزة"

غزة ؟؟؟
انتفضت كمن تلقى للتو 1000 فولت من الكهرباء سرت في جسده بغته, انتفضت كمن صب على رأسه إناء زيت مغلي , انتفضت ... كما لم أنتفض من قبل ...


تحركت يدي لا إراديا ... سقط كوب النعناع ... دوار شديد ... جعل رأسي كسندان يطرق عليها مطرقة من فولاذ ...

"بابي ؟؟؟ مالك ... في حاجة ؟"
أتطلع إلى سارة بعينين خاويتين, جسدي هربت منه الدماء, حلقي جف كصحراء لم يمسسها المطر منذ عقود, أصابعي ترتعش, نعم , ترتعش بشدة, لا أستطيع إيقافها وهي تنافس في سرعتها دقات قلبي المرتفعة وأصوات أنفاسي المتعاقبة ..
غزة ؟؟؟

"سارة ... كوم هير ماي بيبي"
صوت أمها ينادي عليها ولاتزال سارة في حالة قلق وخوف
اهتزت شفتاي, محاولتان قدر الإمكان رسم شبح ابتسامة وأنا أردد بصوت مبحوح :
"طيب يا سارة ... روحي كلمي ماما دلوقتي"
تطلعت إلي الفتاة المسكينة بعيون ملأها التساؤل والإشفاق, لكنها سارعت بالخروج مغلقة الباب ورائها ... أغلقته, لأغوص أنا في كرسيي, لكنه لم يكن وثيرا هذه المرة ... بل هو صلب ... مؤلم ... كما لو أنه أنبت لنفسه أشواكا لتعاقبني, لتعذبني ... والأسوأ, لتذكرني ...

حاولت الاستناد على مكتبي ... أنفاسي تتسارع أكثر, قلبي يسابق دقات الساعة, فتحت الدرج بيد مرتعشة, تناولت دواء القلب, أفرغت محتواه على المكتب وتناولت بيد واهنة أحد تلك الأقراص , رويدا رويدا , بدأت أشعر بتحسن ... لكنه تحسن ذلك الجسد الفاني ... أما عقلي ... فبدأ رحلة العذاب, رحلة إزالة الغبار, رحلة ... الذكريات

غزة ... ياااااااااااااااااااه ... منذ ما يقرب من عشر سنوات ... كانت هناك ... كانت تئن ... كانت تنادي ... لكنها أخطأت ... فقد نادت على الرجال في زمن اختبأ فيه أشباه الرجال خلف النساء ... نادت على الأسود في وقت كانوا فيه ضباعا تنتظر الفتات ... نادت على أمة تركت كل ما يربطها بهذه الأمة إلا اسما في بطاقة أو ملحوظة في دفتر ذكريات ...

تألمت ... بكيت ... نعم ... دمعتي سقطت ... لم أتصور ذلك ... لقد ... نسيتها ....
نعم ... أنا ... وغيري ... وأمتي كلها ... نسيناها ... نسينا ... غزة
شعلة المقاومة تلك انطفأت ... اختفت ... تاركة النساء للنساء, والعار للعار ...
نعم تذكرت الآن ... أبادوها ... منذ عشر سنوات دمروها ... منذ عشر سنوات خسفوها ...

اعتدلت ... تطلعت إلى شاشة حاسوبي ... تذكرت ذلك الموضوع في أحد المنتديات التي طالما شهدت نزاعاتنا العنصرية مقدمة على الوحدة الإسلامية ... كان الموضوع عن اننا يوما ما سننساها, وصرخت وقتها من أعماقي, أبدا يا غزة لن أنساكي, لن أنسى ما قعله بك هؤلاء , لن أنسى جراحك وآهاتك وعذابك و ........ ونسيت ... بكل بساطة ...

تسندت في صعوبة على بعض الكراسي حتى وصلت إلى شرفة بيتي العريضة المطلة على القاهرة الجديدة من هذا الارتفاع الشاهق ... وتطلعت ... الآن أحس بالفرق ... الآن أحس بالذل ... هاهي جامعة تل أبيب قد فتحت مقرا لها هنا وسطنا ليكون منارة لهم في أرضنا ... أنظر يمينا قليلا لأجد مطعم الأكلات العبرية بواجهته التي تحوي اللونين الأبيض والأزرق مذكرة كل ناظر بعلمهم الحقير ... أمسكت سترتي لأنتبه لأول مرة من عبارة "صنع في إسرائيل بأيدي مصرية" ... ابتسمت ابتسامة مرارة, ابتسامة خزي, ابتسامة انهزام ...

عدت إلى حاسوبي, فتحت جوجل لأبدأ البحث, كتبت غزة بالعربية, لم أجدها ... كتبتها بالإنجليزية, يااااااااه , ترى كيف كانت تكتب, أخذت أحاول وأكتب و ... وجدتها ... ثم النتيجة ... صفحة واحدة كتب عنوانها اسم غزة بالانجليزية ... دخلت على الصفحة لأجد سطرا واحدا
"في الذكرى العاشرة لاجتياح غزة ... هل نسيناها؟"

رعشة قوية اجتاحت ظهري حتى أطراف شعري ... أبتلع ريقي الجاف ليجعل من حلقي مراً علقماً ... دمعة أخرى تتكون في عيني التي طالما شاهدت صور الشهداء ...

أغمضت عيني والدمعة تنحدر ... وأنا أتذكر القصف والنيران التي كانت تنهال عليهم ... ماذا لو أني كنت هناك ... ماذا لو كانت"سارة" ابنتي أحد الضحايا ... وأنا أجري بها يمينا ويسارا ... وأصرخ أمام عدسات المصورين ... ماذا دهاك أيها العالم الأصم ... ماذا دهاكم أيها العرب ... أين أنتم, وأين رجالكم, وأين جيوشكم ؟ ... متى ستتحركون لإنقاذ ابنتي ... أنظر إليها والدموع تنهمر لتغرق وجهها البرئ, لتنسدل على شعرها الذي تمشطه سعيدة كل صباح, لتغرق ثوبها الذي فرحت به هذا العيد , تغرق لعبتها القماشية التي تصطحبها في كل مكان ... أصرخ في ألم مر, لعل صوتي يسمع النائمين في فرشهم الوثيرة ... لعله يوقظ هذه القلوب التي دفنت قبل أن يُدفن أصحابها, لعلها تزيل هذه الجدران والطائرات لتفتح لي الطريق إلى أقرب مستشفى لإنقاذ فلذة كبدي ...

أتخيل نفسي ... وأنا أشاهد تلفازا في ركن من بقايا منزل محطم ... أطالع صورتي في أخبار المساء ... صورتي ... وبجوارها خبر, أب يفقد ابنته في القصف الوحشي, ثم ... اجتماع للعرب للتعبير عن الإدانة الوحشية ... أعتصر بيدي لعبة صغيرتي, أمسح عليها, علي أجد فيها مواسيا عن كلام المسلمين, عن غثائهم, عن خلافاتهم ... التي أخذت مني ابنتي ...

"بابي ؟؟؟"
فتحت عيني فجأة .... مستيقظا من غفوتي, مستيقظا من سكرتي, موقظا رجولتي ... ومن بين دموعي, ميزت وجهها البرئ ... لم أتحمل , أخذتها في حضني وأنا أقبلها بشدة, أبعدتني برقة ومدت يدها لتمسح دموعي وهي تقول في براءة :
"بابي ... انت بتعيط ليه؟ ... ماما زعقتلك تاني"
ابتسمت في مرارة ... وأنا أقول لها :
" لا يا حبيبتي ... ماما مش هتزعق تاني من النهاردة ... وبعد كده, قوليلي يا أبي"
اتسعت ابتسامتها وهي تردد :
"جميلة أوي أبي دي ... بس ماما مش هتزعل ؟"
"ليه يا حبيبتي"
"عشان انت خدت منها الاسم ؟"
ضحكت بشدة رافعا إياها على حجري وأنا أقول :
"بصي بأه ... النهاردة هحكيلك قصة جميلة جدا "
"بجد يا بابا ؟"
"أيوه ... أول مرة تسمعيها"
"يعني مش غاششها ... من كتاب ... 100 قصة للأطفال"
ابتسمت ... ورددت:
"لأ ... لأن دي قصة حقيقية يا سارة"

وبدأت أحكي لها عن رجالنا ... عن أسودنا ... عن الذين تحملوا وصمدوا ... أحكي لها عن الذين ارتدوا ثوب الرجولة يوم أن تدثر النساء بالنساء ... أحكي لها عن أرض الصمود ... عن أرض ... كانت ... وسيظل اسمها ... غزة




2 
bono

ياااااااااااه ماأجملها قصه من واقعنا الاليم


أصمدى ياغزه الحبيبه فالنصر قريب قريب ان الله معنا والله بالنصر قريب
اجمل ماقرأت وابكانى فى تلك الوقت
سلمت وسلمت يداك اخى الغالى


3 
منه تامر

نعم ... أنا ... وغيري ... وأمتي كلها ... نسيناها ... نسينا ... غزة

وبدأت أحكي لها عن رجالنا ... عن أسودنا ... عن الذين تحملوا وصمدوا ... أحكي لها عن الذين ارتدوا ثوب الرجولة يوم أن تدثر النساء بالنساء ... أحكي لها عن أرض الصمود ... عن أرض ... كانت ... وسيظل اسمها ... غزة

ما أروعها قصه وما أروعه ذؤؤؤؤ وإختيار منك يامحمد،،،، فلك ألف تحيه تقدير



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
المواد المنشورة والمكتوبة فى المنتدى لا تُعبر بالضرورة عن وجهة نظر القائمين عليه ولكنها تعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.