العودة   منتديات المصطبة > الطريق إلى الله > القسم الإسلامى العام

القسم الإسلامى العام خاص بالمواضيع الإسلامية العامة المكتوبة التى لا تحتوى على صوتيات ومرئيات دينية


1 
الفارس الأخير

وقفة يوم عرفه , خير أيام الأرض ، يوم الوقوف بعرفة



بسم الله الرحمن الرحيم




موسم الحج موسم عظيم في الإسلام، شاء الله تعالى أن يكون ملتقى سنويا متجددا للمسلمين، يفدون إليه من كل حدب و صوب، و يجتمعون فيه على كلمية سواء، عقيدة التوحيد و الإيمان، و العبادة و الخضوع لله المتعال، و يأتون إليه من كل بلد و مكان، و يقبلون عليه من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، و يذكرون اسم الله في أيام معلومات، على ما من به عليهم من نعمة الإسلام، و هداهم إليه من خالص الإيمان، و و فقهم للقيام به من صالح الأعمال، و سخر لهم من الأنعام، تحقيقا لقول الله تعالى : ( و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا...) ، و قوله سبحانه : ( و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا و على كل ضامر ياتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم و يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام).
و المسلم حين يكتب الله له أداء تلك الفريضة الإسلامية، و يتيسر له القيام بمناسكها و شعائرها الدينية، و يسعد بزيارة تلك البقاع المقدسة في مكة المكرمة و المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة و أزكة السلام، فإن الذاكرة تنتقل به، و الفكر يحلق به في تصور ما كان عليه أمر العب و بلادهم من جاهلية و ضلالة و تفرق و فساد الأحوال، و في استحضار تلك اللحظة الجليلة التي انبعث فيها دين الإسلام، و أشرق فيها نوره أول ما أشرق على تلك الأرض الطيبة، و في تلك البقاع المقدسة الطاهرة بمتعث خاتم الأنبياء و المرسلين، و نزول أول آية من القرآن المبين على النبي المصطفى الأمين، سيدنا محمد بن عبد الله، صلوات الله و سلامه عليه، و على آله و صحابته و التابعين، لتتلوها بعد ذلك لحظات مشرقة بآيات الأمر بالبشارة و النذارة، و القيام بالدعوة إلى الله و تبليغ رسالته إلى الناس كافة، و ليتواصل بعد ذلك نزول القرآن الكريم وحيا منزلا من الله تعالى خلال ثلاث و عشرين سنة من حياة الرسول عليه الصلاة و السلام، تخللها ما تخللها من دعوة إلى الله بالتي هي أحسن، و من جهاد في سبيل نصرة الدين و إعلاء كلمة الله حتى أتم الله الفتح و النصر لدينه القويم و أكمله لنبيه المصطفى الأمين، و صار الإسلام في عقيدته و شرعه، و أحكامه و أخلاقه محفوظا بحفظ كتاب الله و سنة رسوله، و رسالة و أمانة في ذمة و أعناق أمته، خالدا بخلودها، إلى أن يرث الله الأرض و من عليها، مصداقا لقول الحق سبحانه : ( أنا نحن نزلنا الذكر، و إنا له لحافظون )، و قوله جل علاه : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا).
و إذا كانت كل عبادة من عبادات الإسلام و فريضة من فرائضه الدينية تتجلى فيها تلك الحكم الربانية، و تبرز فيها تلك المعاني الروحية السامية، من الوحدانية و العبودية لله، و الطاعة و الخضوع له سبحانه، و يتحقق فيها ما يجمع بين المسلم و اخيه المسلم أينما كان و حيثخا كان من أخوة دينية، و وحدة إسلامية، و مشاعر قلبية، فإن عبادة الحج تتجلى فيها تلك الحكم و المقاصد بكيفية أظهر و أعمق، حيث يلتقي فيها المسلمون على تعدد شعوبهم و تباعد أوطانهم، لا فرق بين عربيهم و عجميهم، و لا بين أبيضهم و أسودهم، و لا بين غنيهم و فقيرهم، و لا فضل لأحدهم على الآخر، إلا بالتقوى و العمل الصالح، و التسابق إلى فعل الطاعات، و السعي في حصول المغفرة و الرحمة من الله، و نيل الأمانة و الرضوان، و العودة من تلك العبادة و مناسكها، و من الصلاة في المسجد الحرام و المسجد النبوي و زيارة الروضة الشريفة التي تضم قبر المصطفى عليه الصلاة و السلام، بزاد من التقوى و رسوخ الإيمان، و تقوية الشعور و الإحساس بوحدة المسلمين، وبلورة ذلك في الاهتمام بهم، و حب الخير لهم، و السعي في كل ما يحقق لهم و لبلادهم تعزيز أوطانهم بين أمم الدنيا و شعوبها، مصداقا لقول الله تعالى : ( ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدى للعالمين في آيات بينات، مقام إبراهيم، و من دخله كان آمنا ) و قوله سبحانه : ( الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج، و ما تفعلوا من خير يعلمه الله، و تزودوا، فإن خير الزاد التقوى ) و قول النبي ص : « من حج فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ». و قوله :« العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، و الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ».
و ما من شك في أن المسلم و هو يؤدي مناسك الحج، أو يسمع و يشاهد جموع المسلمين يؤدون شعائره العديدة، فإنه يحس و يدرك أن أجل تلك المناسك و أعظم مشاهده الجليلة موقف الحج بعرفة، ذلك الموقف العظيم المؤثر، الذي قال فيه النبي ص : « الحج عرفة ».
إنه حقا أجل مشهد في عبادة الحج يذكر الناس بموقف العباد بين يدي الله تعالى يوم القيامة، كلهم يرجون رحمته و يخافون غذابه، و يأملون فضله و إحسانه، و يطلبون شفاعة نبيه المصطفى ص.
إنه مشهد مؤثر من العبادة لله و الخشوع و التضرع إليه سبحانه، و الرجاء في كرمه و رضوانه و عفوه، في ذلك اليوم الذي ينادي فيه الحق سبحانه ملائكته، و يخاطبهم بقوله الكريم الرحيم : « أنظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا، أشهدكم يا ملائكتي أن قد غفرت لهم ».

إنه أجل مشهد للأخوة و الوحدة الدينية الجامعة بين المسلمين في كل مكان. يوحي بما يوحي به و يدعو إلى ما يدعو إليه من ضرورة التعاون بينهم على البر و التقوى، و على ما يقوي جانبهم، و يعزز مكانتهم، و يحقق لهم الصلاح و الفلاح في كل مجال و أمر من أمور الدنيا من التضامن و التكافل و نصرة الحق الذي يعلو و لا يعلى عليه.
و المسلم و هو حاضر في ذلك المنسك العظيم و الموقف الخاشع الجليل، لا يغيب عن فكره و قلبه، و لا يعزب عن ذهنه و بصره وقفة النبي ص في حجة الوداع، و خطبته البليغة الجامعة، و ما تضمنته من تشريع و أحكام أساسية، و من توجيهات نبوية حكيمة، فيستحضرها المرء و هو في ذلك المقام، و يجعلها نص عينيه على الدوام، و يحملها في قلبه و فكره و مشاعره، و يحرص على أن يتمثلها و يطبقها في حياته، امتثالا و طاعة لربه، تلك الخطبة النبوية الجامعة، التي كان من جملة فقراتها، قوله عليه الصلاة و السلام :


« أيها الناس، إن دماءكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، و إن الشيطان قد يئس أن يعبده المسلمون في أرضكم هذه، و لكنه لم ييأس من التحريش فيما بينكم، و إنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أموركم، فاحذروه »، و قوله : « إن ربا الجاهلية موضوع، و إن أول ربا أبدأبه ربا عمي العباس بن عبد المطلب »، و قوله : « إتقوا الله في النساء، و استوصوا بهن خيرا ». و قوله : « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب الله و سنتي »، ألا هل بلغت، اللهم اشهد.
إنها كلمات جامعة، و توجيهات نبوية، مستمدة من كتاب الله تعالى و وحيه الرباني، توجيهات مضيئة منيرة للمسلم كل جوانب حياته، ما أحوج المسلمين اليوم إلى استحضارها و تمثلها و التمسك بها و بجميع ما تضمنه كتاب الله و شرعه الحكيم و سنة نبيه المصطفى الأمين و السير على نهجه القويم و صراطه المستقيم.
و عسى أن يكون من هذه المناسبة الإسلامية الجليلة و غيرها من المناسبات الدينية المتجددة، و ما يتجلى فيها من نفحات ربانية، أقوى باعث و خير وازع و داع للمسلمين لاستحضارهم تلك المبادئ و المعاني الشرعية و القيم العالية، و الحرص على تحقيق العزة التي وعد الله بها عباده المومنين الصالحين.






Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المواد المنشورة في منتدي المصطبة لا تُعبر بالضرورة عن وجهة نظر القائمين على الموقع ولكنها تعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.