العودة   منتديات المصطبة > الطريق إلى الله > القسم الإسلامى العام

القسم الإسلامى العام خاص بالمواضيع الإسلامية العامة المكتوبة التى لا تحتوى على صوتيات ومرئيات دينية


1 
الفارس الأخير

الحج المبرور , ما هو الحج المبرور ، تعريف الحج المبرور




و في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ] و في المسند أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : [ إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ] و ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من حج هذا البيت فلم يرفث و لم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ] فمغفرة الذنوب بالحج و دخول الجنة به مرتب على كون الحج مبرورا
و إنما يكون مبرورا باجتماع أمرين قيه أحدهما : الإتيان فيه بأعمال البر و البر يطلق بمعنيين : أحدهما : بمعنى الإحسان إلى الناس كما يقال البرو الصلة و ضده العقوق و في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل عن البر ؟ فقال : [ حسن الخلق ] و كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : إن البر شيء هين : وجه طليق و كلام لين و هذا يحتاج إليه في الحج كثيرا أعني معاملة الناس بالإحسان بالقول و الفعل قال بعضهم : إنما سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال و في المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة قالوا : و ما بر الحج يا رسول الله ؟ قال : إطعام الطعام و إفشاء السلام ] و في حديث آخر : [ و طيب الكلام ] و سئل سعيد بن جبير : أي الحج أفضل ؟ قال : من أطعم الطعام و كف لسانه قال الثوري : سمعت أنه من بر الحج و في مراسيل [ خالد بن معدان عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما يصنع من يؤم هذا البيت إذا لم يكن فيه خصال ثلاثة : ورع يحجزه عما حرم الله و حلم يضبط به جهله و حسن صحابة لمن يصحب و إلا فلا حاجة لله بحجه ] و قال أبو جعفر الباقر : ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يأت بثلاثة : ورع يحجزه عن معاصي الله و حلم يكف به غضبه و حسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين فهذه الثلاثة يحتاج إليها في الأسفار خصوصا في سفر الحج فمن كملها فقد كمل حجه وبر و من أجمع خصال البر التي يحتاج إليها الحاج ما وصى به النبي صلى الله عليه و سلم أبا جزي الهجيمي فقال : [ لا تحقرن من المعروف شيئا و لو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي و لو أن تعطي صلة الحبل و لو أن تعطي شسع النعل و لو أن تنحي الشي من طريق الناس يؤذيهم و لو أن تلقى أخاك و وجهك إليه منطلق و لو أن تلقى أخاك المسلم عليه فتسلم عليه و لو أن تؤنس الوحشان في الأرض ] و في الجملة : فخير الناس أنفعهم للناس و أصبرهم على أذى الناس كما وصف الله المتقين بذلك في قوله تعالى : { الذين ينفقون في السراء و الضراء و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين } و الحاج يحتاج إلى مخالطة الناس و المؤمن الذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم و لا يصبر على أذاهم قال ربيعة : المروءة في السفر بذل الزاد و قلة الخلاف على الأصحاب و كثرة المزاح في غير مساخط الله عز و جل و جاء رجلان إلى ابن عون يودعانه و يسألانه أن يوصيهما فقال لهما : عليكما بكظم الغيظ و بذل الزاد فرأى أحدهما في المنام : أن ابن عون أهدى إليهما حلتين و الإحسان إلى الرفقة في السفر أفضل من العبادة القاصرة لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه و قد كان النبي صلى الله عليه و سلم في سفر في حر شديد و معه من هو صائم و مفطر فسقط الصوام و قام المفطرون فضربوا الأبنية و سقوا الركاب فقال النبي صلى الله عليه و سلم : [ ذهب المفطرون اليوم بالأجر ] و روي أنه صلى الله عليه و سلم كان في سفر فرأى رجلا صائما فقال له : [ ما حملك على الصوم في السفر ؟ فقال : معي ابناي يرحلان بي و يخدماني فقال له ما زال لهما الفضل عليك ] و في مراسيل أبي داود [ عن أبي قلابة رضي الله عنه قال : قدم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم من سفر يثنون على صاحب لهم قالوا : ما رأينا مثل فلان قط ما كان في مسير إلا كان في قراءة و لا نزلنا منزلا إلا كان في صلاة قال : فمن كان يكفيه ضيعته ؟ حتى ذكر و من كان يعلف دابته ؟ قالوا : نحن قال : فكلكم خير منه ] و قال مجاهد : صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني و كان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناما لأجر ذلك منهم : عامر بن عبد قيس و عمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما و كذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة و الأذان و كان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد و غيره فيشترط عليهم أن يخدمهم فكان إذا رأى رجلا يريد أن يغسل ثوبه قال له : هذا من شرطي فيغسله و إذا رأى من يريد أن يغسل رأسه قال : هذا من شرطي فيغسله فلما مات نظروا في يده فإذا فيها مكتوب من أهل الجنة فنظروا إليها فإذا هي كتابة بين الجلد و اللحم و ترافق بهيم العجلي و كان من العبادين البكائين و رجل تاجر موسر في الحج فلما كان يوم خروجهم للسفر بكى بهيم حتى قطرت دموعه على صدره ثم قطرت على الأرض و قال : ذكرت بهذه الرحلة الرحلة إلى الله ثم علا صوته بالنحيب فكره رفيقه التاجر منه ذلك و خشي أن يتنغص عليه سفره و معه بكثرة بكائه فلما قدما من الحج جاء الرجل الذي رافق بينهما إليه ليسلم عليهما فبدأ بالتاجر فسلم عليه و سأله عن حله مع بهيم فقال له : و الله ظننت إن في هذا الخلق مثله كان و الله يتفضل علي في النفقة و هو معسر و أنا موسر و يتفضل علي في الخدمة و هو شيخ ضعيف و أنا شاب و يطبخ لي و هو صائم و أنا مفطر فسأله عما كان يكرهه من كثرة بكائه فقال : و الله ألفت ذلك البكاء و أشرب حبه قلبي حتى كنت أساعده عليه حتى تأذى بنا الرفقة ثم ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا و يقول بعضهم لبعض : ما الذي جعلهما أولى بالبكاء منا و المصير واحد فجعلوا و الله يبكون و نبكي ثم خرج من عنده فدخل على بهيم فسلم عليه و قال له : كيف رأيت صاحبك قال : خير صاحب كثير الذكر لله طويل التلاوة للقرآن سريع الدمعة متحمل لهفوات الرفيق فجزاك الله عني خيرا و كان ابن المبارك يطعم أصحابه في الأسفار أطيب الطعام و هو صائم و كان إذا أراد الحج من بلده مر و جمع أصحابه و قال : من يريد منكم الحج فيأخذ منهم نفقاتهم فيضعها عنده في صندوق و يقفل عليه ثم يحملهم و ينفق عليهم أوسع النفقة و يطعمهم أطيب الطعام ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون من الهدايا و التحف ثم يرجع بهم إلى بلده فإذا وصلوا صنع لهم طعاما ثم جمعهم عليه و دعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم فرد إلى كل واحد نفقته
المعنى الثاني : مما يراد بالبر : فعل الطاعات كلها و ضده الإثم و قد فسر الله تعالى البر بذلك في قوله : { و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب } الآية فتضمنت الآية : أن أنواع البر ستة أنواع من استكملها فقد استكمل البر : أولها : الإيمان بأصول الإيمان الخمسة و ثانيها : إيتاء المال المحبوب لذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب و ثالثها : إقام الصلاة و رابعها : إيتاء الزكاة و خامسها : الوفاء بالعهد و سادسها : الصبر على البأساء و الضراء و حين البأس و كلها يحتاج الحاج إليها فإنه لا يصح حجه بدون الإيمان و لا يكمل حجه و يكون مبرورا بدون إقام الصلاة و إيتاء الزكاة فإن أركان الإسلام بعضها مرتبطة ببعض فلا يكمل الإيمان و الإسلام حتى يؤتي بها كلها و لا يكمل بر الحج بدون الوفاء بالعهود في المعاقدات و المشاركات المحتاج إليها في سفر الحج و إيتاء المال المحبوب لمن يحب الله إيتاءه و يحتاج مع ذلك إلى الصبر على ما يصيبه من المشاق في السفر فهذه خصال البر و من أهمها للحاج : إقام الصلاة فمن حج من غير إقام الصلاة لا سيما إن كان حجه تطوعا كان بمنزلة من سعى في ربح درهم و ضيع رأس ماله و هو ألوف كثيرة و قد كان السلف يواظبون في الحج على نوافل الصلاة و كان النبي صلى الله عليه و سلم [ يواظب على قيام الليل على راحلته في أسفاره كلها و يؤثر عليها ] و حج مسروق فما نام إلا ساجدا و كان محمد بن واسع يصلي في طريق مكة ليله أجمع في محمله يومىء إيماء و يأمر حاديه أن يرفع صوته خلفه حتى يشغل عنه بسماع صوت الحادي فلا يتفطن له و كان المغيرة بن الحكيم الصنعاني يحج من اليمن ماشيا و كان له ورد بالليل يقرأ فيه كل ليلة ثلث القرآن فيقف فيصلي حتى يفرغ من ورده ثم يلحق بالركب متى لحق فربما لم يلحقهم إلا في آخر النهار سلام الله على تلك الأرواح رحمة الله على تلك الأشباح ما مثلنا و مثلهم إلا كما قال القائل :
( نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... و نزلت بالبيداء أبعد منزل )
فنحن ما نأمر إلا بالمحافظة على الصلاة في أوقاتها و لو بالجمع بين الصلاتين المجموعتين في وقت إحداهما بالأرض فإنه لا يرخص لأحد أن يصلي صلاة الليل في النهار و لا صلاة النهار في الليل و لا أن يصلي على ظهر راحلته المكتوبة إلا من خاف الإنقطاع عن رفقته أو نحو ذلك مما يخاف على نفسه فأما المريض و من كان في ماء وطين ففي صلاته على الراحلة اختلاف مشهور للعلماء و فيه روايتان عن الإمام أحمد و أن يكون بالطهارة الشرعية بالوضوء بالماء مع القدرة عليه و التيمم عند العجز حسا أو شرعا و متى علم الله من عبد حرصه على إقام الصلاة على وجهها أعانه قال بعض العلماء : كنت في طريق الحج و كان الأمير يقف للناس كل يوم لصلاة الفجر فينزل فنصلي ثم نركب فلما كان ذات يوم قرب طلوع الشمس و لم يقفوا للناس فناديتهم فلم يلتفتوا إلى ذلك فتوضأت على المحمل ثم نزلت للصلاة على الأرض و وطنت نفسي على المشي إلى وقت نزولهم للضحى و كانوا لا ينزلون إلى قريب وقت الظهر مع علمي بمشقة ذلك علي و إني لا قدرة لي عليه فلما صليت و قضيت صلاتي نظرت إلى رفقتي فإذا هم وقوف و قد كانوا لو سئلوا ذلك لم يفعلوه فسألتهم عن سبب وقوفهم ؟ فقالوا : لما نزلت تعرقلت مقاود الجمال بعضها في بعض فنحن في تخليصها إلى الآن قال : فجئت و ركبت و حمدت الله عز و جل و علمت أنه ما قدم أحد حق الله على هوى نفسه و راحتها إلا رأى سعادة الدنيا و الآخرة و لا عكس أحد ذلك فقدم حظ نفسه على حق ربه إلا و رأى الشقاوة في الدنيا و الآخرة و استشهد بقول القائل :
( و الله ما جئتكم زائرا ... إلا وجدت الأرض تطوى لي )
( و لا ثنيت العزم عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي )
و من أعظم أنواع بر الحج كثرة ذكر الله تعالى فيه و قد أمر الله تعالى بكثرة ذكره في إقامة مناسك الحج مرة بعد أخرى و قد روي أن النبي صلى الله عليه و سلم سئل : [ أي الحاج أفضل ؟ قال : أكثرهم لله ذكرا ] خرجه الإمام أحمد و روي مرسلا من وجوه متعددة و خصوصا كثرة الذكر في حال الإحرام بالتلبية و التكبير و في الترمذي و غيره عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ أفضل الحج العج و الثج ]
و في حديث جبير بن مطعم المرفوع : [ عجو التكبير عجا و ثجوا الإبل ثجا ] فالعج رفع الصوت في التكبير و التلبية الثج إراقة دماء الهدايا و النسك و الهدي من أفضل الأعمال قال الله تعالى : { و البدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير } الآية و قال الله تعالى : { و من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } و أهدى النبي صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع مائة بدنة و كان يبعث الهدي إلى منى فتنحر عنه و هو مقيم بالمدينة الأمر الثاني : مما يكمل ببر الحج اجتناب أفعال الإثم فيه من الرفث و الفسوق و المعاصي قال الله تعالى : { فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج و ما تفعلوا من خير يعلمه الله و تزودوا فإن خير الزاد التقوى }
و في الحديث الصحيح : [ من حج هذا البيت فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ]
و قد سبق حديث : [ من لم يكن له ورع يحجزه عن معاصي الله فليس لله حاجة في حجه ] فما تزود حاج و لا غيره أفضل من زاد التقوى و لا دعي للحاج عند توديعه بأفضل من التقوى و قد روي أن النبي صلى الله عليه و سلم : [ ودع غلاما للحج فقال له : زودك الله التقوى ] قال بعض السلف لمن ودعه : اتق الله فمن اتقى الله فلا وحشة عليه و قال آخر : لمن ودعه للحج أوصيك بما وصى به النبي صلى الله عليه و سلم معاذا حين ودعه : [ اتق الله حيثما كنت و أتبع السيئة الحسنة تمحها و خالق الناس بخلق حسن ] و هذه وصية جامعة لخصال البر كلها و لأبي الدرداء رضي الله عنه :
( يريد المرء أن تؤتى مناه ... و يأبى الله إلا ما أراد )
( يقول المرء فائدتي و مالي ... و تقوى الله أفضل ما استفاد )
و من أعظم ما يجب على الحاج اتقاؤه من الحرام و أن يطيب نفقته في الحج و أن لا يجعلها من كسب حرام و قد خرج الطبراني و غيره [ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة و وضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء : لبيك و سعديك زادك حلال و راحلتك حلال و حجك مبرور غير مأزور و إذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء : لا لبيك و لا سعديك زادك حرام و نفقتك حرام و حجك غير مبرور ] مات رجل في طريق مكة فحفروا له فدفنوه و نسوا الفأس في لحده فكشفوا عنه التراب ليأخذوا الفاس فإذا رأسه و عنقه قد جمعا في حلقة الفاس فردوا عليه التراب و رجعوا إلى أهله فسألوهم عنه فقالوا : صحب رجلا فأخذ ماله فكان منه يحج و يغزو
( إذا حججت بمال أصله سحت ... فما حججت و لكن حجت العير )
( لا يقبل الله إلا كل طيبة ... ما كل من حج بيت الله مبرور )
و ما يجب اجتنابه على الحاج و به يتم بر حجه أن لا يقصد بحجه رياء و لا سمعة و لا مباهاة و لا فخرا و لا خيلاء و لا يقصد به إلا وجه الله و رضوانه و يتواضع في حجه و يستكين و يخشع لربه روي [ عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم حج على رحل رث و قطيفة ما تساوي أربعة دراهم و قال : اللهم اجعلها حجة لا رياء فيها و لا سمعة ]
و قال عطاء : [ صلى رسول الله صلى الله عليه و سلم الصبح بمنى غداة عرفة ثم غدا إلى عرفات و تحته قطيفة اشتريت له بأربعة دراهم و هو يقول : اللهم اجعلها حجة مبرورة متقبلة لا رياء فيها و لا سمعة ]
و قال عبد الله بن الحارث : [ ركب رسول الله صلى الله عليه و سلم رحلا فاهتز به فتواضع لله عز و جل و قال : لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة ]
قال رجل لابن عمر : ما أكثر الحاج فقال : ابن عمر : ما أقلهم ثم رأى رجلا على بعير على رحل رث خطامه حبال فقال : لعل هذا و قال شريح : الحاج قليل و الركبان كثير ما أكثر من يعمل الخير و لكن ما أقل الذين يريدون وجهه
( خليلي قطاع الفيافي إلى الحمى ... كثير و أما الواصلون قليل )
كان بعض المتقدمين يحج ماشيا على قدميه كل عام فكان ليلة نائما على فراشه فطلبت منه أمه شربة ماء فصعب على نفسه القيام من فراشه لسقي أمه الماء فتذكر حجه ماشيا كل عام و أنه لا يشق عليه فحاسب نفسه فرأى أنه لا يهونه عليه إلا رؤية الناس له و مدحهم إياه فعلم أنه كان مدخولا قال بعض التابعين : رب محرم يقول : لبيك اللهم لبيك فيقول الله : لا لبيك و لا سعديك هذا مردود عليك قيل له : لم ؟ قال : لعله اشترى ناقة بخمسمائة درهم و رحلا بمائتي درهم و مفرشا بكذا و كذا ثم ركب ناقته و رجل رأسه و نظر في عطفيه فذلك الذي يرد عليه و من هنا استحب للحاج أن يكون شعثا أغبر و في حديث المباهاة يوم عرفة أن الله تعالى يقول لملائكته : [ انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين اشهدوا أني قد غفرت لهم ] قال عمر يوما و هو بطريق مكة : تشعثون و تغبرون و تتفلون و تضحون لا تريدون بذلك شيئا من عرض الدنيا ما نعلم سفرا خيرا من هذا يعني الحج و عنه قال : إنما الحاج الشعث التفل و قال ابن عمر لرجل رآه : قد استظل في إحرامه أضح لمن أحرمت له أي أبرز للضحى و هو حر الشمس
( أتاك الوافدون إليك شعثا ... يسوقون المقلدة الصواف )
( فكم من قاصد للرب رغبا ... و رهبا بين منتعل و حاف )
سبحان من جعل بيته الحرام مثابة للناس و أمنا يترددون إليه و يرجعون عنه و لا يرون أنهم قضوا منه وطرا لما أضاف الله تعالى ذلك البيت إلى نفسه و نسبه إليه بقوله عز و جل لخليله : { و طهر بيتي للطائفين } تعلقت قلوب المحبين ببيت محبوبهم فكلما ذكر لهم ذلك البيت الحرام حنوا و كلما تذكروا بعدهم عنه أنوا
( لا يذكر الرمل الأحن مغترب ... له بذي الرمل أوطار و أوطان )
( تهفو إلى البان من قلبي نوازعه ... و ما بي البان بل من داره البان )
رأى بعض الصالحين الحاج في وقت خروجهم فوقف يبكي و يقول : واضعفاه و ينشد على أثر ذلك :
( فقلت دعوني و اتباعي ركابكم ... أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد )
ثم تنفس و قال : هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت يحق لمن رأى الواصلين و هو منقطع أن يقلق و لمن شاهد السائرين إلى ديار الأحبة و هو قاعد أن يحزن
( يا سائق العيس ترفق و استمع ... مني و بلغ السلام عني )
( عرض بذكري عندهم لعلهم ... إن سمعوك سألوك عني )
( قل ذلك المحبوس عن قصدكم ... معذب القلب بكل فني )
( يقول أملت بأن أزوركم ... في جملة الوفد فخاب ظني )
( أقعدني الحرمان عن قصدكم ... و رمت أن أسعى فلم يدعني )
ينبغي للمنقطعين طلب الدعاء من الواصلين لتحصل المشاركة كما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لعمر لما أراد العمرة : [ يا أخي أشركنا في دعائك ] و في مسند البزار [ عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : اللهم اغفر للحاج و لمن استغفر له الحاج ] و في الطبراني [ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم سمع رجلا يقول في الطواف : اللهم اغفر لفلان بن فلان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من هذا ؟ قال : رجل حملني أن أدعو له بين الركن و المقام فقال : قد غفر لصاحبك ]
( ألا قل لزوار دار الحبيب ... هنيئا لكم في الجنان الخلود )
( أفيضوا علينا من الماء فيضا ... فنحن عطاش و أنتم ورود )
لئن سار القوم و قعدنا و قربوا و بعدنا فما يؤمننا أن نكون ممن كره الله أتباعهم فثبطهم و قيل اقعدوا مع القاعدين
( لله در ركائب سارت بهم ... تطوي القفار الشاسعات على الدجا )
( رحلوا إلى البيت الحرام و قد شجا ... قلب المتيم منهمو ما قد شجا )
( نزلوا بباب لا يخيب نزيله ... و قلوبهم بين المخافة و الرجا )
على أن المتخلف لعذر شريك للسائر كما قال النبي صلى الله عليه و سلم لما رجع من غزوة تبوك : [ إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا و لا قطعتم واديا إلا كانوا معكم خلفهم العذر ]
( يا سائرين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسوما و سرنا نحن أرواحا )
( إنا أقمنا على عذر و قد رحلوا ... و من أقام على عذر كمن راحا )


و ربما سبق بعض من سار بقلبه و همته و عزمه بعض السائرين ببدنه رأى بعض الصالحين في منامه عشية عرفة بعرفة قائلا يقول له : ترى هذا الزحام بالموقف قال : نعم قال : ما حج منهم إلا رجل واحد تخلف عن الموقف فحج بهمته فوهب الله له أهل الموقف ما الشأن فيمن سار ببدنه إنما الشأن فيمن قعد بدنه و سار بقلبه حتى سبق الركب
( من لي بمثل سيرك المذلل ... تمشي رويدا و تجي في الأول )
يا سائرين إلى دار الأحباب قفوا للمنقطعين تحملوا معكم رسائل المحصرين
( خذوا نظرة مني ... فلاقوا بها الحمى )
( يا سائرين إلى الحبيب ترفقوا ... فالقلب بين رحالكم خلفته )
( مالي سوى قلبي و فيك أذبته ... مالي سوى دمعي و فيك سكبته )
كان عمر بن عبد العزيز إذا رأى من يسافر إلى المدينة النبوية يقول له : أقرىء رسول الله صلى الله عليه و سلم مني السلام و روي أنه كان يبرد عليه البريد من الشام
( هذه الخيف و هاتيك مني ... فترفق أيها الحادي بنا )
( و احبس الركب علينا ساعة ... نندب الربع و نبكي الدمنا )
( فلذا الموقف أعددنا البكا ... و لذا اليوم الدموع تقتني )
( أتراكم في النقا و المنحنا ... أهل سلع تذكرونا ذكرنا )
( انقطعنا و وصلتم فاعلموا ... و اشكروا المنعم يا أهل منى )
( قد خسرنا و ربحتم فصلوا ... بفضول الربح من قد غبنا )
( سار قلبي خلف أحمالكم ... غير أن العذر عاق البدنا )
( ما قطعتم واديا إلا و قد ... جئته أسعى بأقدام المنى )
( آه و أشواقي إلى ذاك الحمى ... شوق محروم و قد ذاق العنا )
( سلموا عني على أربابه ... أخبروهم أنني خلف الضنا )
( أنا مذ غبتم على تذكاركم ... أترى عندكم ما عندنا )
( بيننا يوم أثيلات النقا ... كان عن غير تراض بيننا )
( زمنا كان و كنا جيرة ... فأعاد الله ذاك الزمنا )
من شاهد تلك الديار و عاين تلك الآثار ثم انقطع عنها لم يمت إلا بالأسف عليها و الحنين إليها
( ما أذكر عيشنا الذي قد سلفا ... إلا وجف القلب و كم قد وجفا )
( واها لزماننا الذي كان صفا ... وا أسفا و هل يرد فائتا وا أسف







أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


مواضيع متشابهة مع: الحج المبرور , ما هو الحج المبرور ، تعريف الحج المبرور
محظورات الحج , ما هى المحظورات فى الحج ، أشياء محظورة فى الحج من قسم القسم الإسلامى العام
مقال عن الحج ، تعبير عن الحج ، موضوع عن الحج بالتفاصيل من قسم أبحاث علمية وثقافية
بحث عن الحج 2019 مقال علمى حول الحج كامل بالعناصر بالتنسيق جاهز للطباعة word من قسم أبحاث علمية وثقافية
بحث عن كرة اليد ، بحث كامل عن كرة اليد جاهز بالتنسيق ، مقال عن كرة اليد من قسم أبحاث علمية وثقافية
معنى الحى ، معنى اسم الحى ، معنى و تعريف كلمة الحى ، معانى اسماء الله الحسنى من قسم القسم الإسلامى العام

الساعة الآن 11:15 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المواد المنشورة في منتدي المصطبة لا تُعبر بالضرورة عن وجهة نظر القائمين على الموقع ولكنها تعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.