العودة   منتديات المصطبة > الطريق إلى الله > القسم الإسلامى العام

القسم الإسلامى العام خاص بالمواضيع الإسلامية العامة المكتوبة التى لا تحتوى على صوتيات ومرئيات دينية

تفسير جزء عم

كاتب الموضوع: نور سعيد، فى قسم: القسم الإسلامى العام


1 
نور سعيد

تفسير جزء عم 7094ha0.gif

انا ناوية آن شاء الله آعرف تفسير القرآن
وكل يوم هنزل اللى هقدر عليه
وبآديكم تشكركو فى الصواب دة وهبدأ بجزء عم

ودى فكرة الخ الكريم محمد (مشتاق لله) ولكم جزير الشكر

وياريت الى يقدر على تفسير نكون فى أيد واحدة
لعلو كلمة الله وفى كسب الثواب
أترككم فى رعاية لله

تفسير سورة النبأ
مكية كلها بإجماعهم وهي أربعون ءاية




تفسير جزء عم 02-Nabaa.gif




2 
نور سعيد

{عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1)} أي عن أيّ شىء يتساءل المشركون، وذلك لما روي أنهم حين بُعث رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون: ما الذي أتى به، ويتجادلون فيما بُعث به فنزلت هذه الآية. رواهُ ابن جرير عن الحسن.



{عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2)} وهو أمرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من القرءان العظيم وذكر البعث ويوم القيامة.



{الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)} وهو يوم القيامة لأن كفارَ مكة كانوا يُنكرونه والمؤمنين كانوا يثبتونه.



{كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (4)} "كلا" هي ردّ على الكفارِ الذين ينكرون البعثَ ويومَ القيامة، وفي الآيةِ ردعٌ للمشركين ووعيدٌ لهم، وسيعلمون ما ينالُهم من العذاب.



{ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (5)} التكرار هنا توكيدٌ للوعيد، وحُذف ما يتعلقُ به العلمُ على سبيل التهويل.



{أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا (6)} في الآيات الآتيةِ دِلالة على قدرته تعالى على البعثِ وهو الخالق، وقد بدأ بذكرِ ما هم دائمًا يباشرونه، فالأرض ذاتُ مهادٍ، والمهدُ والمِهادُ: هو الفراشُ المُوطأ، أي أنها لهم كالمهدِ للصبيّ يُمهَّد له فيُنوَّم عليه، فالله ذلَّلها للعبادِ حتى سكنوها.



{وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)} أي أن اللهَ تعالى ثبَّت الأرضَ بالحبال كي لا تميدَ بأهلها.



{وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8)} أي أن اللهَ تعالى خلقَ أنواعًا في اللون والصورة واللسانِ لتختَلفَ أحوالُ الخلقِ فيقعَ الاعتبارُ فيشكرَ الفاضلُ ويصبرَ المفضولُ.



{وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9)} أي أن اللهَ جعلَ النوم سكونًا وراحةً لينقطعَ الناس عن حركاتهم التي تعبوا بها في النهار.



{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10)} أي سَكنًا وغِطاءً تستترون به عن العيونِ فيما لا تحبون أن يُظْهَرَ عليه منكم.



{وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)} وكذلكَ جعلَ الله النهارَ وقت اكتساب تتصرفون فيه في قضاءِ حوائجكم وهو معاشٌ لأنه وقتُ عَيش.



{وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12)} أي أن اللهَ جعلَ السمواتِ السبعَ محكمةَ الخلقِ وثيقةَ البنيان.



{وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13)} أي وخلقَ اللهُ تعالى الشمسَ مُضيئة كما روى البخاريّ عن ابن عباس، وهي حارة مضطرمة الاتّقاد.

{وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)} والمعصِراتُ السحابُ وهي الغيمُ يُنزِلُ الله منها الماءَ المنصبّ بكثرة.

{لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15)} أي أن اللهَ يُخرِج بذلك الماءِ الحبَّ كالحِنطة والشعيرِ وغيرِ ذلك مما يُتقوتُ به.

{وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)} وكذلك يُخرجُ الله بذلكَ الماء البساتينَ ذات الزرعِ المُجتمع بعضُه إلى جنبِ بعضٍ، وإذا علم الكفار ذلكَ فهلاَّ علموا أن اللهَ قادر على أن يعيد الخلقَ يومَ القيامة.

فبعد أن عدَّ اللهُ على عباده بعضَ وجوهِ إنعامِه وتمكينَهم من منافعهم قال تعالى
{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)} أي أنَّ يوم القيامة يُفصَل فيه بينَ الحقّ والباطل وهو في تقدير اللهِ حَدٌّ تُؤقَّتُ به الدنيا وتنتهي عنده.



{يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18)} وهو عبارة عن قَرْنٍ ينفخُ فيه الملَكُ إسرافيل، والمرادُ هنا النفخةُ الأخيرةُ التي يكونُ عندَها الحشرُ فينفُخُ في الصورِ للبعثِ فيأتي الناسُ من القبورِ إلى الموقفِ أفواجًا أي زُمَرًا زُمرًا، رواهُ البخاريُّ عن مجاهد.



{وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19)} أي تتشقَّقُ السماءُ حتى يكونَ فيها شقوقٌ، وقرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرو وابن عامر: "وفتّحت" بالتشديد، وقرأ عاصم وحمزة والكِسائيّ بالتخفيف.



{وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20)} وأزيلت الجبالُ عن مواضعها فنُسفت.



{إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21)} وجهنَّمُ ترصُدُ من حقَّت عليه كلمةُ العذابِ فيدخلُها الكافرُ ويحبسُ فيها أعاذنا اللهُ من ذلك.



{لِلْطَّاغِينَ مَآبًا (22)} أي أنَّ جهنَّم مَرجعُ ومنقلَب من طغى في دينِه بالكفرِ والعياذُ بالله.



{لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)} وقرأ حمزة "لَبثين" والمعنى فيهما واحد، أي أنَّ الكفارَ سيمكثونَ في النارِ ما دامت الأحقابُ، وهي لا تنقطعُ كلما مضى حُقبٌ جاء حقب وهكذا إلى ما لا نهايةَ له، والحُقب ثمانون سنة، قال الإمام القشيريّ: أي دهورًا، والمعنى مؤبَّدين. وليس في الآيةِ ولا في غيرِها مُتعلَّقٌ لمن يقول بفناءِ النارِ كجهمِ ابن صفوان وهو رأسُ الجهمية. وقد عدَّ علماءُ الإسلامِ القولَ بفناءِ جهنَّم من الضلال المبينِ المخرِج من الإسلام والعياذُ بالله كما قال الإمام الحافظُ المجتهد تقيّ الدين السبكيّ رحمهُ اللهُ في رسالتِه التي سماها "الاعتبار ببقاء الجنة والنار" ردّ فيها على ابن تيميةَ الذي من جملة ضلالاته قولُه بأزلية نوع العالم، وذكر عقيدتَه هذه في أكثر من خمسةٍ من كتبه، وهذا القول كفرٌ إجماعًا كما قال الزركشيّ وابنُ دقيقِ العيد وغيرُهما كالحافظ ابن حجر في شرح البخاريّ والقاضي عياض المالكي، فلا يغرنّك زُخرفُه.



{لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا (24)} أي أنّ الكفارَ في جهنَّم لا يذوقونَ الشرابَ الباردَ المُستلذّ.



{إِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)} هو استثناء مُتَّصلٌ من قوله تعالى :{ولا شرابًا} والحميمُ: هو الماءُ الحارُّ الذي يُحرِق، والغسَّاقُ: هو القيْح الغليظ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وشعبة :"غَسَاقًا" بالتخفيف، وقرأ حمزةٌ والكــســائيّ وحفص عن عاصم بالتشديد.



{جَزَاء وِفَاقًا (26)} فوافقَ هذا العذابُ الشديدُ سوءَ أعمالهم وكُفرهم.



{إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا (27)} قال مجاهد: لا يخافونه، رواهُ البخاريّ، فهُم كانوا لا يؤمنون بيومِ الحساب فيخافونَ من العقاب.



{وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28)} وكانوا مبالِغين في تكذيب القرءانِ الكريم.



{وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29)} أي أنّ كلّ شىء مما يقعُ عليه الثوابُ والعقابُ من الأعمال مكتوبٌ في اللوح المحفوظ ليجازيَ اللهُ عليه، ومن ذلك تكذيبُهم للقرءان، فالملائكةُ يُحصون زلاتِ العاصين ويكتبونها في صحائفهم.



{فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا (30)} فزيادةُ العذاب لهم إلى ما لا نهايةَ له هو مُسبَّبٌ عن كفرهم بيوم الحساب وتكذيبهم بالآيات. وفي هذا الخطابِ توبيخٌ لهم وشدّة غضبٍ عليهم، وقد روى ابنُ أبي حاتم عن أبي بَرْزَة الأسلميّ رضي اللهُ عنه أن هذه الآيةَ هي أشدُّ ءايةٍ في كتاب اللهِ على أهلِ النارِ.



واعلموا أيها الأحبة أنه يستحب إذا سمع الشخص عن عذاب جهنم أو عن أهوال يوم القيامة أن يقول: حسبنا اللهُ ونِعمَ الوكيل، على اللهِ توكلنا.



{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31)} فالتقيّ وهو من أدّى الواجبات واجتنبَ المحرمات يفوزُ وينجو ويظفر حيثُ يُزحزحُ عن النار ويُدخل الجنة.



{حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32)} ويكونُ له في الجنّة البساتين التي فيها أنواعُ الأشجارِ المُثمرة.



{وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33)} أي جواريَ متساوياتٍ في السنّ.



{وَكَأْسًا دِهَاقًا (34)} أي كأسًا مملوءةً بالشرابِ الصافي.



{لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (35)} فلا يسمعون في الجنّة باطلاً من القولِ ولا كذِبًا، ولا يُكذّبُ بعضُهم بعضًا، وقراءةُ علي رضي اللهُ عنه :"كِذَابًا" بالتخفيف، وكان الكِسائيّ يخفف هذه ويشدد، والباقون بالتشديد.



{جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا (36)} ويَجزي الله المتقين إكرامًا منه العطاء والنعيم الكثير.



{رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37)} فاللهُ مالكُ السموات والأرض وكذلكَ ما بينهما وهو الرحمنُ، فلا يملِكُ أهلُ السمواتِ والأرضِ الاعتراض على اللهِ في ثوابٍ أو عقابٍ لأنهم مملوكون له على الإطلاقِ فلا يستحقّون عليهِ اعتراضًا وذلك لا ينافي الشفاعة بإذنه تعالى. قال مجاهد "لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا" أي لا يكلمونه إلا إن يأذن لهم، رواه البخاري.



{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)} أي يقومُ يوم القيامة الروحُ وهو جبريلُ والملائكةُ وهم من أعظم مخلوقاتِ اللهِ قدْرًا وشرفًا مُصطفّينَ فلا يتكلمونَ في موقفِ القيامة إجلالاً لربّهم وخضوعًا له، فلا يشفَعُ إلا من أذِن اللهُ له في الشفاعةِ من المؤمنينَ والملائكةِ، قال مجاهد "وَقَالَ صَوَابًا" أي حقًّا في الدنيا وعمل به، رواه البخاري. فعند أهل الغفلة هو بعيد ولكنّه في التحقيقِ قريبٌ لتحقّق وقوعِه بلا شكّ فيرى المؤمنُ والكافرُ ما عملَ من خيرٍ أو شرّ لقيامِ الحجةِ له أو عليه، وقد قال أبو هريرة وابنُ عمر رضي اللهُ عنهما: إن اللهَ يبعثُ الحيوانَ فيُقتصُّ لبعضها من بعضٍ ثم يقال لها بعد ذلك: كوني ترابًا، فيعودُ جميعُها ترابًا فيتمنى الكافرُ لنفسِه مثلَها، ويؤيده قولُ الله عز وجل :{وإذا الوحوشُ حشرت} أي بُعثت للقِصاص، وما رواهُ مسلمٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لتُؤَدَّنَّ الحقوقُ إلى أهلها يومَ القيامةِ حتى يُقادَ للشاةِ الجَلحاءِ (وهي التي لا قرْن لها) من الشاةِ القرناء" (وفي روايةِ لتؤدُّنَّ الحقوقَ)، قال مجاهد: يُبعث الحيوانُ فيُقادُ للمنقورةِ من الناقرةِ وللمنطوحةِ من الناطحةِ.



وفي الآيةِ والحديثِ المذكورينِ دليلٌ على أن البهائم لها أرواحٌ ونُموّ، أما النباتُ ففيه نموٌّ فقط وليس فيهِ روحٌ، فالزرعُ لا يتألّمُ حينَ الحصادِ كالشاةِ التي تُ**حُ فإن الشاةَ تتألمُ، فمن قال: إن البهائم لا أرواحَ لها فقد كذَّب القرءانَ والحديثَ.



{ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39)} أي أن يومَ القيامةِ ثابت ليس فيه تخلّف ومَن أرادَ السلامةَ من العذابِ يوم القيامةِ يسلكُ سبيلَ الخير، وفي الآيةِ معنى الوعيدِ والتهديدِ لا التخيير.



{إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا} وهو عذابُ الآخرةِ {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} أي يرى عملَه مثبتًا في صحيفتِه خيرًا كان أو شرًّا


{وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا (40)} تأكيدٌ للتهديد والوعيد والتخويف من عذاب الآخرةِ. واللهُ سبحانه وتعالى أعلم.



3 
نور سعيد

تفسير سورة النازعات

مكيّة كلها بإجماعهم وهي ستّ وأربعون ءاية



أقسم اللهُ تعالى بذكر هذه الأشياء التي يذكرُها على أن القيامة حقّ فقال تعالى:

{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1)} النازعات هي الملائكة تنزعُ أرواحَ الكفار، وغرقًا أي نزعًا بشدّة.

{وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2)} أي الملائكة تنشِطُ نفسَ المؤمن بقبضها، أي تسلُّها برفق.

{وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3)} هي الملائكة تتصرفُ في الآفاق بأمرِ الله تعالى تجيءُ وتذهب.

{فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4)} هي الملائكة تسبقُ بأرواحِ المؤمنينَ إلى الجنة.
{فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)} هم الملائكة يدبّرون أمورَ المطر والسحاب والنبات وغير ذلك. وقد نزّه اللهُ الملائكةَ عن التأنيث وعاب قولَ الكفار حيث قال :{وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثًا} (سورة الزخرف/19). والمراد الأشياءُ ذاتُ النزع والأشياءُ ذات النشط والسبح والتدبير وهذا القدر لا يقتضي التأنيث. ومِن أول السورة إلى هذا الموضع قَسَمٌ أقسمَ اللهُ به، قال الفرّاء: وجوابُ ما عُقِد له القسم مضمَر محذوف وتقديره لو أُظهِر: والنازعات غرقًا والناشطات نشطًا والسابحات سبحًا فالسابقات سبقًا فالمدبرات أمرًا لتُبعثنَّ ثم لتُحاسبُنَّ، فاستغنى (أي اللهُ تعالى) بفحوى الكلامِ وفهم السامعِ عن إظهاره، قال الشعبي: الخالق يُقسِم بما شاء من خلقه، والمخلوقُ لا يقسم إلا بالخالقِ، واللهُ أقسَمَ ببعضِ مخلوقاتِه ليعرّفهم قدرتَه لعظم شأنها عندهم ولدِلالتها على خالقِها ولتنبيه عبادِه على أن فيها منافعَ لهم كالتين والزيتون.

قال الحافظُ ابن حجر في فتح الباري :"قال الشافعيّ: أخشى أن يكون الحَلِف بغير الله معصية (ومعناه أنّه مكروهٌ كراهةً شديدةً)، وقال إمام الحرمين: المذهبُ القطع بالكراهة، وجزم غيرُه بالتفصيل، فإن اعتقدَ في المحلوفِ به من التعظيمِ ما يعتقدُه في اللهِ حَرُمَ الحلِفُ به وكان بذلكَ الاعتقاد كافرًا وعليه يتنزَّلُ الحديثُ المذكورُ (يريدُ حديث الترمذيّ :"مَنْ حلَف بغيرِ اللهِ فقد كفَرَ أو أشرك") وأما إذا حلَف بغير اللهِ لاعتقاده تعظيمَ المحلوف به على ما يليق به من التعظيمِ فلا يكفر بذلكَ ولا تنعقدُ يمينُه".

{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6)} الراجفةُ: هي النفخةُ الأولى، قالهُ ابن عباس، وبها تتزلزل الأرضُ والجبال.

{تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7)} الرادفة: هي النفخةُ الثانية وبينهما أربعون سنة، قال ابن عباس: النفختان هما الصيحتان أمَّا الأولى فتُميتُ كلَّ شىء بإذن الله، وأما الثانيةُ فتتبعُ الأولى وتُحيي كلَّ شىءٍ بإذن الله.

{قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8)} هي قلوب الكفار تكون شديدةَ الخوف والاضطراب من الفزع.

{أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9)} أي أبصار أصحاب هذه القلوب ذليلة من هول ما ترى.



{يَقُولُونَ} أي أصحابُ القلوب والأبصار استهزاء وإنكارًا للبعث.

{أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10)} قال ابنُ عباس: يقولونَ أنُردّ بعد الموت إلى الحياة، أي في القبور، قالوه على جهةِ الاستبعاد لحصوله، قرأ ابن عامر وأهل الكوفة :"أئنا" بهمزتينِ مخففتينِ على الاستفهام، وقرأ الباقونَ بتخفيفِ الأولى وتليين الثانية.

{أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً (11)} أي عظامًا باليةً متفتتةً، قاله القرطبي، ومرادُ الكفارِ بقولهم ذلك هو: أئذا كنّا عظامًا متفتتة بالية نُحيا؟ إنكارًا وتكذيبًا بالبعث كما تقدم، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم :"ناخِرَةً" قال الفراء: وهما بمعنى واحد في اللغة.

{قَالُوا تِلْكَ} أي قال الكفار: تلك، أي رجعتُنا إلى الحياة. {إذًا} أي إن رُدِدْنا.

{كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12)} أي نحنُ خاسرونَ لتكذيبنا بها، قالوا ذلكَ استهزاء منهم وتكذيبًا بالبعث، أي (على زعمهم) لو كان هذا حقًّا لكانت ردّتنا خاسرة إذْ هي إلى النار.

{فَإِنَّمَا هِيَ} أي الرادفةُ وهي النفخةُ الثانية التي يعقبها البعث.

زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13)} أي نفخةٌ واحدة يَحيا بها الجميع فإذا هم قِيام ينظرون، قاله الربيعُ بن أنس. وذلك يتضمنُ سهولة البعث على الله وأنه ليسَ أمرًا صعبًا عليه تبارك وتعالى وذلك لأن قولهم :{أئنا لمردودون في الحافرة} يتضمن استبعاد النشأة الثانية واستصعاب أمرها فردَّ الله قولهم.

{فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (14)} أي فإذا الخلائق أجمعون على وجه الأرض بعد أن كانوا في بطنها أمواتًا، قال ابن مسعود :"تُبدلُ الأرض أرضًا كأنها فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يُعمل عليها خطيئة"، قال الحافظ ابن حجر :"أخرجه البيهقيّ في الشعب ورجاله رجال الصحيح".

{هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15)} قال القرطبي وغيره: قد جاءك يا محمد وبلغَك قصةُ موسى وتمرّدُ فرعونَ وما ءالَ إليه حالُ موسى من النجاة وحالُ فرعونَ من الهلاك وفي ذلكَ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتبشير بنجاتِه صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين وهلاكِهم.

{إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16)} قال الحسن: هو واد بفلسطين، قال ابنُ عباس: واسمه طُوَى، والمقدس أي المبارك المطهر.

{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17)} أي أن فرعون (وهو لقب الوليد بن مُصعب ملك مصر، وكل عاتٍ فِرعونٌ قاله الجوهري، والفرعنةُ: الدهاء والتكبر) تجاوز الحدّ في الكفر.

{فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18)} أي أدعوك إلى أن تُسلِم وتعمل خيرًا وتتحلّى بالفضائلِ وتتطهّرَ من الرذائل، وقرأ ابنُ كثيرٍ ونافع: "تَزَّكَّى" بتشديدِ الزاي.

{وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)} أي أُرشدَك إلى معرفة اللهِ تعالى بالبرهانِ فتخافه عزَّ وجلّ فتؤديَ الواجبات وتجتنب المحرمات، وفي الآيةِ دِلالة على أن الإيمان باللهِ مقدَّم على العملِ بسائرِ الطاعاتِ لأن اللهَ ذكر الهدايةَ أوَّلاً وجعلَ الخَشيةَ مؤخَّرةً عنها ومفرعة عليها.

{فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20)} أي فذهب موسى وبلّغ ما أمره بهِ ربُّه فطلب فرعونُ ءايةً فأراه (أي موسى) الآيةَ الكبرى أي العلامةَ العُظمى، روى البخاريّ في تعاليقه: "قال مجاهد: الآية الكبرى عصاه ويدُه".

{فَكَذَّبَ وَعَصَى (21)} أي أن فرعونَ كذَّب موسى وعصى اللهَ تعالى بعد ظهورِ المعجزةِ الدالةِ على صدقِ موسى فيما أتى بهِ.

{ثُمَّ أَدْبَرَ} أي فرعونُ ولّى مُدبرًا مُعرضًا عن الإيمان {يَسْعَى (22)} أي يعملُ بالفسادِ في الأرضِ ويجتهد في نكايةِ أمرِ موسى.

{فَحَشَرَ فَنَادَى (23)} أي جمَع السحرة للمعارضةِ وجنودَهُ وقام فيهم خطيبًا وقال لهم بصوت عال.



{فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى (24)} يريدُ فرعونُ لا ربَّ لكم فوقي، والعياذ بالله.

{فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى (25)} أي أخذهُ اللهُ أخذًا هو عِبرة لمن رءاهُ أو سمعه، وعاقبه على كلمتِه الأولى وهي قولُه :{ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري} وكلمتهِ الآخِرة وهي قوله {أنا ربكُمُ الأعلى}، وكان بينَ الكلمتينِ أربعون سنةٍ وذلك أن اللهَ أهلكهُ بالغرقِ في الدنيا، وفي الآخرةِ يُعذَّبُ في نارِ جهنم.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى (26)} أي أن الذي جرى لفرعونَ فيه عِظةٌ لمن يخاف اللهَ عزّ وجل.

{ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27)} يريد اللهُ بهذا الخطاب أهلَ مكة الذين أنكروا البعث، والكلامُ يجري مجرى التقريع والتوبيخ والاستدلالِ على من أنكرِ البعث، والمعنى أخَلْقُكُمْ بعد الموت مع ضعف الإنسانِ أشدُّ أم خلْق السماء في تقديركم مع ما هُو مشاهَدٌ من دَيمومةِ بقائها وعَدم تأثُّرها إلى ما شاء اللهُ، فنِسبةُ الأمرينِ إلى قدرةِ اللهِ نسبةٌ واحدةٌ لأن قدرةَ اللهِ تامّة لا يلحقها عَجزٌ ولا نقص. ثمّ يصف الله السماءَ بأنهُ هو الذي جعلها فوقنا كالبناء، قال عز وجل:

{رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28)} أي أن اللهَ جعلَ مقدار ذهابها في العلو مديدًا رفيعًا مسيرةَ خمسمائةِ عامٍ بين الأرض والسماء، وكذا بينَ كل سماءٍ وسماء إلى سبع سموات. والسَّمْكُ: هو الارتفاعُ الذي بين سطح السماءِ الذي يلينا وسطحها الذي يلي ما فوقَها، قاله المفسر أبو حيان في تفسيره النهر المادّ. ومعنى "فسواها" أي جعلها مَلساءَ مستوية بلا عيبٍ ليس فيها مرتفَع ولا منخفَض مُحكمةَ الصُّنعة متقنةَ الإنشاءِ.

{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29)} أغطشَ ليلها: أي أظلمَ ليلها، وأخرجَ ضحاها: أي أبرزَ نهارَها وضوءَ شمسها، وأضاف الضحى إلى السماءِ لأن في السماء سببَ الظلامِ والضياءِ وهو غروبُ الشمسِ وطلوعُها، قالَه القرطبي.

{وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30)} أي أن اللهَ خلقَ الأرضَ قبل السماء، ثم إن اللهَ خلقَ سبعَ سموات ثم دحا اللهُ الأرضَ أي بسطها، قالهُ ابن عباس.

{أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31)} أي أخرجَ من الأرضِ العيون المتفجّرةَ بالماءِ والنباتَ الذي يُرعى.

{وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32)} أي أثبتها على وجه الأرضِ لتسكن.

{مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ (33)} أي أنّ اللهَ خلقَ ذلكَ لمنفعتِكم ومواشيكم، والأنعام والنَّعمُ الإبل والبقر والغنم، قاله النووي في تحرير ألفاظ التنبيه.

{فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)} قد مرّ بيان أنّه تعالى ذكر كيفية خلق السماء والأرض ليُستَدَل بها على كونه قادرًا على النشر والحشر، فلما قرّرَ ذلكَ وبيّن إمكان الحشر عقلاً أخبرَ بعد ذلكَ عن وقوعِه بقوله تعالى :{فإذا جاءت الطامةُ الكبرى} قال المُبرّدُ: الطامةُ عند العرب الدَّاهية التي لا تُستطاع، والمرادُ بالطامة الكبرى: يوم القيامة، عَظَّمَه الله، قاله ابن عباس.

{يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى (35)} أي ذاكَ اليوم يتذكر الإنسانُ ما عمِله في الدنيا من خير أو شر يراهُ مدوّنًا في صحيفته وكان قد نسيه من فرط الغفلة أو طول المدة.

{وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرَى (36)} أي أُظهرت جهنَّم يراها تتلظى كلُّ ذي بصر فيشكر المؤمنُ نعمةَ الله، وقرأ ابن عباس ومعاذ: "لمن رأى" بهمزة بين الراء والألف.

{فَأَمَّا مَن طَغَى (37)} أي تجاوزَ الحدّ في العصيانِ والكفر.

{وَءاثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38)} أي انهمكَ فيها باتباع الشهواتِ والركونِ إليها وترك الاستعداد للآخرة.

{فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39)} أي أنّ جهنم هي مأوى من طغى وءاثر الحياة الدنيا.

{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي حذِر مقامَه يوم القيامة للحساب.

{وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)} أي زجرها عن المعاصي والمحرّمات.

{فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)} أي أن مَنْ عمل الصالحات فإن منزَله الجنة.

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42)} أي يسألك كفارُ مكة متى وقوعُ الساعة وزمانُها استهزاءً.

{فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (43)} أي فيم يسألك المشركون عنها ولستَ ممن يعلمها حتى تذكرَها لهم، وفيه إنكار على المشركين في مسألتهم لهُ عليه السلام.

{إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (44)} أي إلى الله منتهى علم الساعة فلا يوجد عند غيره علم وقتها وزمنها قال تعالى :{إن الله عنده علمُ الساعة} (سورة لقمان/34).

{إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (45)} أي إنما ينتفع بإنذارك يا محمدُ وتخويفك مَن يخافُ هولَها فيمتنع عن الكفر والطغيان وإن كان رسولُ الله منذرًا لكل مكلف. وقرأ أبو جعفر: "منذرٌ" بالتنوين.

{كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً} أي أن الكفار يوم يرون الآخرةَ كأنهم لم يقيموا في الدنيا إلا قدرَ عشيّة، والعَشيةُ من صلاة المغرب إلى العتَمة، قاله الرازي في مختار الصَّحَاح.

{أَوْ ضُحَاهَا (46)} وهو حين تُشرِق الشمس، قاله الحافظ اللغوي محمد مرتضى الزبيدي، والمراد أن الدنيا ذاكَ الوقت تتصاغر عند الكفار وتقِلُّ في أعينهم. واللهُ سبحانه وتعالى أعلم.


4 
نور سعيد

سورة عبس
مكية كلها بإجماعهم وهي اثنانِ وأربعون ءاية




أخرج الترمذي والحاكم وابن حبان عن عائشة قالت: نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى (واسمُه عمرو بن قيس وقيل: عبد الله بن قيس وهو ابن خال خديجة رضي الله عنها). {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1)} عبس أي قطب ما بين عينيه، قاله الزبيدي. وتولى: أي أعرض بوجهه الكريم صلى الله عليه وسلم، قاله البخاري.

{أَن جَاءهُ الأَعْمَى (2)} قَرأ أبيُّ بن كعب والحسن وأبو عمران: "ءان جاءه" بهمزة واحدة مفتوحة وممدودة، وقرأ ابن مسعود: "أَأَن" بهمزتين مقصورتين مفتوحتين. قال القسطلاني في شرح البخاري وغيرُه: لأجل أن جاءه الأعمى عبد الله ابن أم مكتوم وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، وكرر ذلك ولم يعلم أنه أي رسول الله مشغول بذلك، أي بدعوتهم إلى الإسلام وقد قويَ طمَعُه في إسلامهم، وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم، قاله القرطبي. فَكَرِهَ رسولُ الله قطعَه لكلامه فعبس عليه السلام وأعرض عنه فعوتب في ذلك صلى الله عليه وسلم، والذين كان رسول الله يناجيهم في أمر الإسلام هم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل عمرو بن هشام، وأُبيُّ وأمية ابنا خلف على خلافٍ في بعضهم. وجاء لفظ الأعمى إشعارًا بعذره في الإقدام على قطع كلام رسول الله للقوم وللدلالة على ما يناسب من الرفق به والصَّغْوِ لما يقصده رضي الله عنه. قال الثوري: فكان النبي بعد ذلك إذا رأى ابنَ أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول: "مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي" ويقول له: "هل من حاجة"، واستخلفه مرتين على صلاة الناس في المدينة المنورة في غزوتين من غزواته صلى الله عليه وسلم، وكان يؤذّن له عليه السلام مع بلال وغيره رضي الله عنهم.

{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3)} أي ما الذي يجعلك داريًا بحاله لعله يتطهر من الآثام بما يتلقف منك، قال البيضاوي: وفيه إيماء بأن إعراضه صلى الله عليه وسلم عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه كان لتزكية غيره.

{أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (4)} أي أو يتعظ بما يتعلمه ويسمعه من موعظتك فينتفع بذلك، وقرأ عاصم: "فَتَنفَعَهُ" بفتح العين، والباقون برفعها، قال الزجاج: من نصب فعلى جواب: "لعل"، ومن رفع فعلى العطف على: "يزكى".

{أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5)} قال بعض: المراد من كان ذا ثروة وغنى، قال الرازي في تفسيره: "وهو فاسد ههنا لأن إقبال النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لثروتهم ومالهم حتى يقال له أما من أثرى فأنت تقبل عليه"، ثم قال: المعنى من استغنى عن الإيمان والقرءان بما له من المال، وروي عن عطاء قريبٌ منه، والمراد الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يناجيهم في شأن الإسلام ثم قتلوا والعياذ بالله على الكفر، قُتِل عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل عمرو بن هشام وأمية بن خلف يوم بدر، أما أبيُّ بن خلف فقد رماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحَرْبة (الحربة دون الرمح) يوم أحد فقتله.

{فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (6)} أي تتعرض له بالإقبال عليه بوجهك. وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: "تَصَّدَّى" بفتح التاء والصاد وتخفيفها، وقرأ نافع وابن كثير: "تَصَّدَّى" بفتح التاء والصاد وتشديدها، وقرأ أبيُّ بن كعب وأبو الجوزاء: "تتصدى" بتاءين مع تخفيف الصاد، وقرأ ابن مسعود والجَحدري: "تُصْدَى" بتاء واحدة مضمومة وتخفيف الصاد.

{وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7)} أي الكافر وهذا تحقير لشأن الكفار، والمعنى: ليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام من تدعوه إليه، إذ الهدى بيد الله وليس عليك إلا البلاغ؛ وبعد ذلك نزل الأمر بالقتال.

{وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى (8)} أي يأتيك مسرعًا طالبًا للخير والعلم لله عزَّ وجلَّ والمراد به ابن أم مكتوم رضي الله عنه.

{وَهُوَ يَخْشَى (9)} أي يخاف الله عزَّ وجلَّ.

{فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)} أي تتشاغل، وقرأ ابن مسعود وأبو الجوزاء وطلحة بن مصرف: "تتلهى" بتاءين، وقرأ أُبيُّ بن كعب والجَحدري وابن السميفع: "تُلْهَى" بتاء واحدة خفيفة مرفوعة.

{كَلاَّ (11)} أي لا تفعل بعدها مثلها، على أن ما فعله رسول الله لم يكن معصية كبيرة ولا صغيرة، ومن قال هو صغيرة أخطأ.

{إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11)} أي أن ءايات القرءان موعظة وتبصرة للخلق.

{فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (12)} أي فمن شاء حفظ القرءان واتعظ به.

{فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13)} أي أن تلك التذكرة مثبتة في هذه الصحف المكرمة، والصُّحُف: جمع صحيفة، قال الرازي والنسفي: إنها صحفٌ مُنْتَسَخَةٌ من اللوح المحفوظ مكرمةٌ عند الله، وقيل: إن المراد بالصحف الكتب المنزلة على الأنبياء كما في قوله تعالى: {إنَّ هذا لفي الصُّحُفِ الأولى (18) صحُفِ إبراهيمَ وموسى (19)} [سورة الأعلى]، وقيل: المراد اللوح المحفوظ.

{مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14)} أي مرفوعة القدر محفوظة من الدنس لا يمسها إلا المطهرون وهم الملائكة.

{بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15)} أي هذه الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة بأيدي الكتبة من الملائكة، قاله ابن عباس وغيره.

{كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)} أي هم كرام أعزاء على ربهم بررة مطيعون له عزَّ وجلَّ.

{قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17)} أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله تعالى { قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} قال: نزلت في عتبة بن أبي لهب حين قال: كفرت برب النجم، ومعنى الآية لُعِنَ الكافرُ ما أشدَّ كفره، وظاهر قوله تعالى {قُتِلَ} الدعاء، والمراد به الذم البليغ لأن الله لا يُتصور منه الدعاء. وقوله تعالى: {مَا أَكْفَرَهُ} ظاهره التعجب وهو لا يكون من الله فالمعنى المراد هو تعجيب كل سامع لأن مبالغة الكفار في الكفران يتعجب منها كل واقف عليها، والمعنى أن هذا الكافر يستحق أن يقال عنه: لُعِنَ ما أشد كفره؛ واللعن معناه: الطرد والإبعاد من الخير على سبيل السخط، والعَجَبُ والتعجب حالة تعرضُ للإنسان عند الجهل بسبب الشىء، ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه ولهذا قيل: لا يصح على الله التعجب إذ هو علاَّم الغيوب لا تخفى عليه خافية، قاله الراغب الأصبهاني وغيرُه.

{مِنْ أَيِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ (18)} أي لِمَ يتكبرُ هذا الكافر؟ ألم يرَ من أي شىء خُلِق؟! وهو استفهام على معنى التقرير على حقارة ما خلق منه.

{مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19)} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن أحدَكُمْ يُجمَعُ خلقُهُ في بطنِ أمهِ أربعينَ يومًا نطفةً، ثم يكونُ عَلَقَةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ مُضْغَةً مثلَ ذلك، ثم يُرْسِلُ الله إليه الملَكَ فينفُخُ فيه الروحَ، ويؤمرُ بأربع كلماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَعَملِهِ وأَجَلِهِ وشقيٌّ أو سعيدٌ"، هذا طرف حديث رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه. والنطفة: المنيّ المخلوق منه البشر، والعلقة: المني ينتقل بعد طوره فيصير دمًا غليظًا متجمدًا، ثم ينتقل طورًا ءاخر فيصير لحمًا وهو المضغة سُميت بذلك لأنها مقدار ما يمضغ، قاله الفيوميّ. والمقصود أن التكبر والتجبر لا يليقان بمن كان أصله نطفة ثم علقة ثم مضغة. ومعنى فقدَّره: أي فقدَّرَهُ أطوارًا إلى أن أتَمَّ خِلقتَه، قدَّر يديه ورجليه وعينيه وسائرَ أعضائه، وَحَسنًا أو دَميمًا، وقَصيرًا أو طويلاً، وشقيًّا أو سعيدًا .

{ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)} المعنى أن الله سهَّل له الخروج من بطن أمه بأن جعل فُوَّهَةً للرحم، وألهمه إذا قَرُب وقتُ خروجه أن يتنكس فيصير رأسه من جهة الأسفل بعد أن كان من جهة الأعلى. فسبحان الله الخالق البارئ المصوّر، وقيل: سَهَّل له العلم بطريق الحق والباطل، قاله الحسن ومجاهد.

{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21)} أي جعل له قبرًا يُوارَى فيه ولم يجعله مما يُلقى على وجه الأرض فتأكله الطير والسباع.

{ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ (22)} أي أحياه بعد موته للبعث، ووقت النشور عِلمُه عند الله سبحانه.

{كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)} كلمة "كلا" هي ردع وزجر للكافر عما هو عليه فالكافر لم يفعل ما أمره الله به من الطاعة والإيمان.

{فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)} أي فلينظر كيف خلق الله له طعامه ولينظر إلى مدخله ومخرجه، والمراد نظر اعتبار وهو نظر القلب متدبرًا متفكرًا في عظيم قدرة الله سبحانه.

{أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا (25)} أي الغيث والمطر ينسكب من السحاب، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: "إنا" بالكسر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: "أنا صببنا" بفتح الهمزة في الوصل وفي الابتداء، قال الزجاج: من كسر "إنا" فعلى الابتداء والاستئناف، ومن فتح فعلى البدل من الطعام.



{ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا (26)} أي بالنبات فإنه يشق الأرض بخروجه منها.

{فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27)} "فيها" أي في الأرض يُنبِت اللهُ جميع الحبوب التي يُتغذى بها كالحنطة والشعير.

{وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28)} العنب معروف، قال ابن عباس: القضب: هو الرُّطَب لأنه يُقضب من النخل أي يقطع.

{وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً (29)} الزيتون والنخل معروفان.

{وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30)} أي بساتين كثيرة الأشجار، والحديقة: البستان يكون عليه حائط، والغُلب: الغِلاظ الأعناق، وقال الزجاج: هي المتكاثفة العِظامُ، والمراد عِظَمُ أشجارها وكثرتها.

{وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31)} أي ألوان الفاكهة، والأبُّ: هو ما ترعاه البهائم، قاله ابن عباس، وقيل: إنه الثمار الرطبة.

{مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ (32)} أي أن ما ذكر من الحبّ وما بعده خلق لمنفعة الإنسان وكذلك الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم تنتفع به.

{فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ (33)} وهي النفخة الثانية صيحة يوم القيامة، قال الخليل بن أحمد: الصاخة صيحة تَصُخُّ الآذان صَخًّا، أي تُصِمُّها بشدة وقعتها، قال السمين: صَخَّ يَصُخُّ صَخًا: أي صاح صياحًا مقطعًا يقطع قلب سامعيه. وجواب {فإذا} محذوف تقديره: اشتغل كل إنسان بنفسه، يدل عليه {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)} قاله أبو حيان وغيره.

{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34)} وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)} وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36)} أي لا يلتفتُ الإنسان إلى أحد من أقاربه لعِظَمِ ما هو فيه، والمراد بالصاحبة الزوجة.

{لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)} أي أن لكل واحد حالاً يشغله عن النظر في حال غيره، وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمي والزهري وأبو العالية وابن السُّمَيفع وابن مُحَيصن: "يَعنيه" بفتح الياء والعين غير معجمة.

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ (38)} أي أن وجوه الصالحين تكون يوم القيامة مشرقة مضيئة قد علمت ما لها من الخير والنعيم.

{ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ (39)} أي مسرورة فرحة بما نالها من كرامة الله عزَّ وجلَّ.

{وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40)} أي غبارٌ وكمدٌ في وجوههم من شدة الحزن وهي وجوه الكفار كما سيأتي.

{تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41)} أي تغشاها ظلمة.

{أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)} والكَفَرَةُ: جمع كافر، والفَجَرَةُ: جمع فاجر.

وعن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه في قوله عزَّ وجلَّ: {وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14)} [سورة الحاقة] قال: يصيران غَبَرَة على وجوه الكفار لا على وجوه المؤمنين وذلك قوله عزَّ وجلَّ: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40)} تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41)} [سورة عبس] رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

سورة عبس


5 
نور سعيد

سورة التكوير

مكية كلها بإجماعهم وهي تسع وعشرون ءاية






روى الحاكم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحبَّ أن ينظُرَ إلى يومِ القيامة فليقرأ {إذا الشمسُ كوّرت}" صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد.

{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1)} قال ابن عباس: ذهب نورها وأظلمت. وقال المفسرون: تُجمع الشمس بعضُها إلى بعض ثم تُلف ويُرمى بها.



{وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2)} أي تناثرت وتساقطت ولم يبق لها ضوء.

{وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3)} أي قُلعت من الأرض ثم سُوّيت بها كما خُلقت أول مرة ليس عليها جبل ولا فيها واد.

{وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4)} العِشَارُ: جمع عُشَرَاءَ وهي الناقة التي أتى عليها من وقتِ الحمل عَشرَةُ أشهرٍ، وهو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة، وهي أَنفَسُ ما يكون عند أهلها وأعزها عليهم، فيتركونها مهملة بلا راع ولا حالب لما دهاهم من الأمور، وهذا قبيل قيام الساعة حيث لا يلتفت أحد إلى ما كان عنده. ومعنى "عُطلت" سُيِّبَتْ وأُهملت لاشتغالهم عنها بأهوال القيامة.

{وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5)} أي جُمعت بعد البعث، قال ابن عباس: تحشر الوحوش غدًا، أي تجمع حتى يُقتصَّ لبعضها من بعض، ثم تُرَدُّ ترابًا، وهذا على وجه ضرب المثل لإظهار العدل وإلا فلا تكليف على البهائم، وفيه دليل واضح على أن البهائم لها أرواح.

{وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6)} قال الحسن: يذهب ماؤها فلا يبقى قطرة، رواه البخاري في الصحيح مُعَلقًا، وقال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم، {سجّرت} أي أوقدت فاشتعلت نارًا، ذكره القرطبي عنهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو:"سُجِرَتْ" بتخفيف الجيم.

{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7)} روى البخاري في تعاليقه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول في هذه الآية: هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة والرجل يزوج نظيره من أهل النار، ثم قرأ قوله تعالى {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ (22)} قال الحافظ ابن حجر: "وهذا إسناد متصل صحيح"، وبمعناه ما رواه الحاكم عن عمر بن الخطاب وصححه ووافقه الذهبي أنه رضي الله عنه قال في تفسير الآية: "هما الرجلان يعملان العمل يدخلان به الجنة والنار، الفاجر مع الفاجر والصالح مع الصالح".

{وَإِذَا الْمَؤودةُ سُئِلَتْ ()} وهي الجارية تُدفن وهي حية وقد كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت امرأته بنتًا دفنها حية إما خوفًا من السبي والاسترقاق، وإما خشية الفقر والإملاق، وكان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه، وكان صعصعة جد الفرزدق يشتريهن من ءابائهن، فجاء الإسلام وقد أحيا سبعين موءودة. وسؤالها إنما هو لتبكيت (التقريع والتعنيف) وائدها وتوبيخه.

{بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9)} هو حكاية لما تخاطَبُ به وجوابها أن تقول: بلا ذنب، فيكون أعظم في البلية وظهور الحجة على قاتلها.

وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وأبو عبد الرحمن وابن يعمر وابن أبي عبلة وهارون عن أبي عمرو: "سَأَلَتْ" بفتح السين وألف بعدها "بأي ذنب قُتِلْتُ" بإسكان اللام وضم التاء الأخيرة.

{وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10)} يعني صحف الأعمال التي كتبت فيها الملائكة ما فعل أهلها من خير أو شر تطوى بالموت وتنشر يوم القيامة فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها فيقول: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} [سورة الكهف/49]، قاله القرطبي والماوردي. وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب "نُشِرَت" بالتخفيف والباقون بالتشديد.

{وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ (11)} قال الزجاج: قُلعت كما يُقلع سقف البيت، والكشط القلع عن شدة التزاق، وفي قراءة عبد الله: "قُشِطَتْ".

{وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12)} أي أُوقدت النار إيقادًا شديدًا، والسَّعَرُ: التهاب النار وشدة إضرامها، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"أُوقِدَ على النارِ ألفُ سنةٍ حتى احمرَّت، ثم أُوقد عليها ألفُ سنةٍ حتى ابيضت، ثم أُوقد عليها ألفُ سنةٍ حتى اسودَّت فهي سوداءُ مظلمةٌ". رواه الترمذي وابن ماجه. وقرأ نافع وابن ذكوان وحفص عن عاصم :"سُعّرت" مشددة، وقرأ غيرهم :"سُعِرَتْ" بالتخفيف، غير أن شعبة له الوجهان.

{وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13)} أي قُرّبت، قال الزجاج: وتأويله أي قَرُبَ دخولهم فيها ونظرهم إليها، وقال الحسن رضي الله عنه: يقربون منها ولا تزول عن موضعها، والآيات التي ستأتي هي جواب {إذا الشمسُ كوّرت} وما عطف عليها.

{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (14)} أي علمت كل نفس فكلمة "نفس" نكرة في معنى العموم، ما أحضرته في صحائفها من عمل صالح تدخل به الجنة أو عمل سيء قبيح تستحق به دخول النار، والعياذ بالله.

{فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15)} قال النسفي وغيره: إن "لا" زائدة والمعنى أقسم بالخنس، والخُنَّس: جمع خانس وخانِسة، وخَنَسَ عنه: تأخَّر، قال الحافظ: "قوله ـ أي البخاري ـ (والخُنَّسُ تَخْنِسُ في مَجراها ترجع وتَكْنِسُ تستتر في بيوتها كما تكنِس الظّباء)، قال الفراء في قوله: {فلا أقسم بالخنّس} وهي النجوم الخمسة تَخْنُسُ في مجراها ترجع، وتكنِس تستتر في بيوتها كما تكنس الظباء في المغاير وهي الكِنَاس، قال: والمراد بالنجوم الخمسة: بَهْرَام ـ وهو المريخ ـ وزُحَلُ، وعُطَارِدُ، والزُّهرة، والمشتري" اهـ، ثم قال :"وروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن علي قال: هن الكواكب تكنِس بالليل وتَخْنُسُ بالنهار فلا تُرى" اهـ. وقال في لسان العرب :"وخنوسها استخفاؤها بالنهار" اهـ، وقال: "والخنوس: الانقباض والاستخفاء" اهـ.

{الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16)} الكُنَّس: جمع كانِس وكانِسة، والكانِس من الوحش ما دخل في كنَاسِه وهو الغصن من أغصان الشجر كالظبي وبقر الوحش، والمراد بالجواري النجوم، والكُنَّس التي تغيب.

{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17)} قال الخليل: أقسم بإقبال الليل وإدباره، و{عسعس} أقبل وأدبر فهو من الأضداد.

{وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18)} الصبح: الفجر وهو أول النهار، و{إذا تنفّس} إذا امتد ضوؤه، وهذا قسم وجوابه هو {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)}. {إنَّهُ} أي القرءان و{لقولُ رسول كريم} إلى جميع الأنبياء عليهم السلام وهو عزيز عند الله تعالى، والمراد بذلك جبريل أضيف إليه قول القرءان لنزوله به من عند الله عزَّ وجلَّ.

{ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20)} أي شديد القدرة على ما يُكلف به لا يعجز عنه ولا يضعف، وقد بلغ من قوته أنه قلع قرى ءال لوط وقَلَبها فجعل عاليها سافلها، وهو عند الله تعالى ذو مرتبة رفيعة وشرف عظيم.

{مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21)} أي أن جبريل مطاعٌ تطيعه الملائكة، وقوله: {ثَمَّ} أي في السموات، قال ابن هشام: و"ثم" بالفتح اسم يُشار به إلى المكان البعيد، وهو أمينٌ بمعنى مأمون كما يقال: قتيل بمعنى مقتول، أي أنه عليه السلام مؤتمن على الوحي الذي ينزل به على أنبياء الله. وقرأ أُبيُّ بن كعب وابن مسعود: "ثُمَّ" بضم الثاء.

{وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ (22)} هذا عطفٌ على جواب القسم الذي هو {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)} والمراد بصاحبكم محمد صلى الله عليه وسلم، والخطاب لأهل مكة فليس محمد مجنونًا حتى يتهم في قوله كما يزعم الكفرة بهتانًا بل هو صادق صلى الله عليه وسلم وجزاه الله خيرًا عن أمته، والمجنون هو الذي أَلمتْ به الجن أو أصابه نقص أو علة في دماغه فَسُتِرَ عقله، وسمي المجنون مجنونًا لاستتار عقله.

{وَلَقَدْ رَءاهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ (23)} أي رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته له ستمائة جناح، والمراد بالأفق المبين ناحية مشرق الشمس.

{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24)} أي أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يبخل بتبليغ ما أوحي إليه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس بالظاء والمعنى أن محمدًا ليس بِمُتَّهَم في أن يأتيَ بما لم يُنزل عليه أو ينقص شيئًا مما أوحيَ إليه أو يزيد فيه، وهو من الظَّنَّةِ وهي التُّهَمَة (قال البخاري: الظنين المتهم والضنين يضن به يريد البخيل ورواه عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي).

{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25)} أي وما القرءان بقول شيطان من الشياطين المسترقة للسمع تُرجَمُ بالشُّهُب يُلقيه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم كما زعم كفار قريش، ورجيم بمعنى مرجوم نحو قتيل وجريح بمعنى مقتول ومجروح.

{فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26)} هو استضلال للكفار حيث نسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة إلى الجنون ومرة إلى الكَهانة ومرة إلى غير ذلك مما هو بريء منه وذلك كما يقال لتارك الجادَّة إلى أين تذهب؟ فالمعنى فأي طريق أهدى لكم وأرشد من كتاب الله؟!

{إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (27)} قال النسفي: أي ما القرءان إلا عِظة للخلق.

{لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28)} أي أن القرءان ذكر وعظةٌ لمن شاء الاستقامة بالدخول في الإسلام فينتفع بالذكر، وأما من لم يستقم على الحق فإنه لم ينتفع بهذا الذكر.

ثم بيَّن الله تعالى أن مشيئةَ العبدِ للاستقامةِ موقوفةٌ على مشيئة الله عزَّ وجلَّ فقال تعالى:{وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)} أي وما تشاءون الاستقامة إلا أن يشاء الله تلك المشيئة، فأعلمهم سبحانه أن المشيئة في التوفيق إليه، وإنما خصَّص تعالى من شاء الاستقامة بالذكر تشريفًا وتنبيهًا، قال القرطبي: "إن الله تعالى بيّن بهذه الآية أنه لا يعمل العبدُ خيرًا إلا بتوفيق الله ولا شرًّا إلا بخذلانه، وفي التنزيل: {{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ (111)}} [سورة الأنعام]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ (100)} [سورة يونس]، وقال تعالى {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاء (56)} [سورة القصص] والآي في هذا كثير وكذلك الأَخبار، وان الله هدى بالإسلام وأضلَّ بالكفر" اهـ. والله ربُّ العالمين أي مالك الخلق أجمعين فهو مالك لأعمالهم وخالق لها من باب أوْلى كما قال في كتابه العزيز: {وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} [سورة الصافات]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن الله تعالى صَانِعُ كُلّ صانع وصَنعَتِهِ"، رواه البيهقي والحاكم وابن حبان. وقال الله تعالى:{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ (110)} [سورة الأنعام] فتقليب الله أفئدة العباد فيه دلالة ظاهرة على أن الله خالقٌ لأعمال القلوب، وتقليب الله أبصار العباد فيه دلالة ظاهرة على أن الله خالق أعمال الجوارح، فسبحان الله الذي يهدي من يشاء فضلاً منه وكرمًا ويضل من يشاء عدلاً؛ فمن جعل المشيئة للعباد لا لرب العباد فقد كفر وضلَّ، وقد روى مسلم أن المشركين جاءوا يجادلون رسول الله في القدر فأنزل الله تعالى: {{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)}} [سورة القمر].

وعلى تكفيرهم لقولهم بأن العبد يخلق أفعاله نص القرءان الكريم والسنة وإجماع السلف والخلف الذين لا يُعتبر مخالفهُم وذلك لثبوت حديث "القدريةُ مجوسُ هذه الأمة" رواه أبو داود، وروى اللالكائي والبيهقي تكفيرهم عن كثير من السلف، فمن الصحابة: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، ثم عمّن لا يحصى من التابعين وأتباع التابعين، وعلى تكفيرهم نص مالك والشافعي والأشعري والماتريدي رضي الله عنهم، فلا يجوز الشك في تكفير من قال منهم بأن العبد يخلق أفعاله والعياذ بالله تعالى وذلك لتكذيبه قولَ الله عزَّ وجلَّ: {قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ (16)} [سورة الرعد] وقوله عزَّ وجلَّ{وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96)} [سورة الصافات].

وأخرج ابن جرير وغيره قال: لما نزلت {لمن شآء منكم أن يستقيم} قال أبو جهل: ذاك إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فأنزل الله {{وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)}}.

وقرأ أبو بكر الصديق وأبو المتوكل وأبو عمران: "وما يشاءون" بالياء.

والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
المواد المنشورة في منتدي المصطبة لا تُعبر بالضرورة عن وجهة نظر القائمين على الموقع ولكنها تعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط.